سليمان بن موسى الكلاعي

405

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

وفيما ذكره سيف من الأحاديث أن أبا عبيد لما نزل خفان مع المثنى أقام بها أياما ليستجم أصحابه ، وقد اجتمع إلى جابان بشر كثير ، وخرج أبو عبيد بعد ما جم الناس وطهرهم ، وجعل المثنى على الخيل ، فنزلوا على جابان بالنمارق فاقتتلوا قتالا شديدا ، فهزم الله أهل فارس ، وأسر جابان ، أسره مطر بن فضة أحد بنى تيم الله ، وأسر مردان شاه ، أسره أكتل بن شماخ العكلي ، فأما أكتل فإنه ضرب عنق مردان شاه ، وذلك أنه سأله : ما اسمك ؟ ، فيما ذكره المدائني ، فقال له : مردان شاه . قال : وما مردان شاه ؟ قال : ملك الرجال . قال : لا جرم والله لأقتلنك ، فقتله . وأما مطر بن فضة فإن جابان خدعه وهو لا يعرفه ، وكان جابان شيخا كبيرا ، فقال لمطر : إنكم معشر العرب أهل وفاء ، فهل لك أن تؤمننى وأعطيك غلامين أمردين خفيفين في عملك وكذا وكذا ، قال : نعم ، قال : فأدخلنى على ملككم حتى يكون ذلك بمشهد منه ، فأدخله على أبى عبيد ، فتم له على ذلك وأجاز ذلك أبو عبيد ، فعرفه ناس فقالوا لأبى عبيد : هذا الملك جابان ، وهو الذي لقينا بهذا الجمع ، فقال أبو عبيد : فما تأمروننى ، أيؤمنه صاحبكم وأقتله أنا ، معاذ الله من ذلك . وفى رواية : إني أخاف الله إن قتلته ، وقد أمنه رجل من المسلمين في الذمة والتود والتناصر كالجسد ، ما لزم بعضهم لزم كلهم . فقالوا : إنه الملك ، قال : وإن كان لا أعذر به ، فتركه ، وقال له : اذهب حيث شئت . وهرب أصحاب جابان حين أسر إلى كسكر ونرسى بأسفلها . وكانت كسكر قطيعة له ، وكان النرسيان له ، يحميه لا يأكله بشر ، إلا ملك فارس ، أو من أكرموه فيه بشئ ، ولا يغرسه غيرهم ، فكان ذلك مذكورا من فعلهم في الناس ، وأن ثمرهم هذا حمى ، فقال رستم وبوران لنرسى : أشخص إلىّ قطيعتك فأحمها من عدوك وعدونا وكونن رجلا ، فلما انهزم الناس يوم النمارق ، ووجهت الفالة نحو نرسى ، ونرسى في عسكره ، نادى أبو عبيد بالرحيل ، وقال للمجردة : اتبعوهم حتى تدخلوهم عسكر نرسى ، أو تبيدوهم فيما بين النمارق إلى بارق درونى « 1 » . ومضى أبو عبيد حين ارتحل من النمارق حتى ينزل على نرسى بكسكر ، والمثنى في تعبئته التي قاتل فيها جابان ، وقد أتى الخبر رستم وبوران بهزيمة جابان ، فبعثوا إليه الجالينوس ، وبلغ ذلك نرسى وأهل كسكر وباروسما ونهر جوبر والزوابى ، فرجوا أن يلحق قبل الوقعة ، وعالجهم أبو عبيد ، فالتقوا أسفل من كسكر بمكان يدعى السقاطية ،

--> ( 1 ) بارق : ماء بالعراق من أعمال الكوفة . انظر : معجم البلدان ( 1 / 319 ) .